إلى متى ؟
حين وصف عمرو بن العاص رضي الله عنه الرومَ بأنهم “أسرعُ الناس إفاقةً بعد مصيبةٍ”، (كما في صحيح مسلم)، لم يكن وصف الأفراد في مصيبتهم الشخصية ،بل كان يشخص ثقافة جماعية لهم تتصل بسرعة نسيان الصدامات والحروب ،والاستعداد للإفاقة من هولها وجحيمها للنظر في مستقبل أفضل ،خاصة فيما بينهم .
وهذا مشهودٌ فإنَّ الأوربيين والأمريكان استطاعوا أن ينسوا المعارك التي ذهبت فيها ملايين الأرواح ،ومن ذلك الحربان العالميتان وما قبلهما ،وما بينهما ،وأن يفكروا في المصالح المشتركة،ويبنوا علاقة حسنة بينهم .
بينما نحن لا نزال نجتر معاركنا القبلية وحروبنا الداخلية ونتجادل حولها ،ونبدو مستعدين لتكرارها ،لأننا نربي عليها أجيالنا .
الزائر للبوسنة وصربيا وكرواتيا يرى الناس لأول وهلة يمشون بهدؤ ويتعاطون حياتهم البسيطة ، وكأن الحرب لم تكن هنا قبل سنوات !
يبقى في النفوس أثرٌ قابل للتحريك، وقابل للذوبان ،وحين توجد قيادات فاسدة تسعى للتحريك لمصالحها الخاصة ، ينجر الناس وراءها .
لماذا لا نكون نحن مفاتيح للخير مغاليق للشر ؟
ولمَ لانقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة وفيها الوثنيون واليهود ،فكان كلما حدث توتر يسعى في تسكينهم وتهدئتهم إيماناً بأن وقت الهدؤ أفضل الأوقات لانتشار الخير ومخاطبة العقول .
لماذا ننظر أحياناً أن خلط الأوراق وإحداث الصراع هو الذي يمهد للنجاح ؟
حين تذهب العقول وتكون الكلمة الأخيرة لأرفع الناس صوتاً وأشدهم انفعالاً ،و أقساهم لغة ،فهي علامة احتدام الأزمة .
فإلى متى؟
د.أسامة الصَّلابي