افهم وتريث

روي عن الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى قوله : (إن من شيوخي من استسقى بهم المطر، ولا أقبل حديثهم )
أي لغفلتهم يأخذون عن الكذابين…فالصلاحُ شرط غير كاف لقبول الرواية والرأي والتحليل والاجتهاد، ولابد معه من الضبط والإتقان والمهارة مع التريث والتؤدة والبعد عن العجلة.
وقد أَخْرجَ ابْن عبْد الْبرِّ -رحمه الله- بسنده عن عبدالرحمن بن مهدى قال: «كنا عند مالك بن أنس، فجاء رجل فقال: يا أبا عبدالله، جئتك من مسيرة ستة أشهر، حمّلنى أهل بلدى مسألة أسألك عنها، قال: فسل، فسأله الرجل عن مسألة، قال: لا أحسنُها، قال: فبُهت الرجل، كأنه قد جاء إلى مَن يعلم كل شىء، قال، فقال: فأيّ شيء أقول لأهل بلدتى إذا رجعت لهم؟ قال: تقول لهم: قال مالك: لا أُحْسِنُ»
وجاء في كتاب (معجم الأدباء) …ما حدث مع إمام اللغة والنحو أبي العباس ثعلب،وهو خبر لا يقل طرافة وروعة عما سبق: حدّث أبو عمر الزاهد فقال: كنتُ في مجلس أبي العبّاس ثعلب، فسأله سائلٌ عن شيء فقال: «لا أدري»، فقال له: أتقول «لا أدري» وإليك تُضرَب أكبادُ الإبل، وإليك الرحلةُ من كل بلد؟ فقال له ثعلب: لو كان لأهلي بعدد ما لا أدري بعرٌ لاستغنيتُ.)
يا للعجب! أين الذين يتكلمون ويصرحون في كل شيء ، ويدلون فيما ليس لهم اختصاص، وقلوبهم آمنة مطمئنة، يفرضون آراءهم وتحليلاتهم الهزيلة على الناس بأنها مما لا يتطرق إليه الشك ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه! فأين هم من مثل هذه المواقف؟.
وقديما قيل «من تكلّم في غير فَنِّه أتى بالعجائب». فالكثير يتكلم اليوم في غير فنه، ..هذا إن كان لهؤلاء المتهورين فن أصلا! على أن أكثرهم لا فن لهم! مما يجعل المصيبة أعظم.
قد كثرت العجائب في عصرنا بعدما صار قول «لا أعلم» و «لا أدري» و «لا أعرف» و«الله أعلم» يعتبره الناس منقصة وعيبًا.
وقد حذرنا الله من الانجرار وراء الاخبار التي لا علم لنا بحقيقتها وإنما هو التخمين والدَّسُ حين قال ((وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ. إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ.. كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولا ))…
وهذه الكلمات القليلة تقيم منهجا كاملا للمسلم …فالتثبت من كل خبر ومن كل ظاهرة ومن كل حركة ومن كل حدث قبل الكلام و الحكم عليها هو دعوة القرآن الكريم، ومنهج الإسلام الدقيق.
إنا ناقوس الخطر في أن يخوض المسلم مع الخائضين ويقع في مستنقع الإمعات المُنْتِن الآسن .