الانتماء بين الرحابة والانكماش

بعض الناس يتخذ من الانتماء إلى القبيلة مستندا لمديح الذات واحتقار الآخرين …أي يجعل منه مدخلا للإساءة للآخرين.
النبي صلى الله عليه وسلم أرشدنا إلى شيء في غاية الأهمية حين قال :”تعلَّموا من أنسابِكم ما تصِلونَ أرحامَكم فإنَّ صلةَ الرَّحمِ منسأة في الأثرِ مثراةٌ للمالِ”رواه الترمذي وأحمد.
فمعرفة الإنسان بانتمائه القبلي ذات هدف عملي، هو صلة الرحم والإحسان من القرابة .
والقبلية -بصفة عامة- لا تُذمُّ فهي قدر كوني، فالله تعالى هكذا خلق عباده شعوبًا وقبائل، كما قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات:13].
#ومن الضروريِّ أن تكونَ هذه الوحدة القبلية دائرة في فلكِ الوحدةِ الكبرى للوطن وللأمة المسلمة ومغذية لها، وعند أيِّ تعارض بين الوحدتين تُقَدَّم الوحدةُ الكبرى ومصالحُها على الوحدةِ الصغرى.
ولعلَّ تحقيقَ هذه الوحدة القبليةِ الصغرى بهذا الفهم؛ من الأسباب التي لأجلها أمرَ الإسلام بصلة الأرحام، وقد كان رسول الله عليه الصلاة والسلام يصل ذوي رحمِه، وأقاربِه من غير أن يُؤْثِرَهم على من هو أفضل منهم، وقد جعل الإسلام كثيرًا من الأحكام تتعلق بالعشيرة؛ مثل الميراث والعقل وغيرها.
##مما يجب على المسلم أن يتجنَّب من سلبيات القبلية: التفاخر بالأنساب، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ، إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتِنَ» (سنن أبي داود) معنى (عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ) كِبْرَ، وفخر، ونخوة أهل الجاهلية وتعاظمهم بأنسابهم وآبائهم، وهي حالة من التكبر والتعالي على الآخرين.
#كما يجب تجنُّبُ العصبيةَ القبلية؛ وهي أن يغضبَ المرءُ لغضبِ القبيلة ولو كان غضبُها لباطل، ويرضى لرضاها ولو كان عن باطل، وهذه هي حالة الجاهلية.
وقد عبَّرَ عنها شاعرُهم “دريد بن الصمة”، فقال:
وهلْ أَنَا إِلا من غَزيَّةَ إِنْ غَوَتْ ***غَوَيْتُ، وإِنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أَرْشدِ
وقول الآخر “أبو تمام”: لا يَسْألونَ أخاهُمْ حينَ يَنْدُبُهُمْ * في النائِباتِ على ما قالَ بُرْهانا.
#وأيضا من السلبيات بالغة الضرر؛ احتقار المسلمين والآخرين لنسَبهم المتواضع…. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ» (رواه مسلم).
فمتى ما انتفت هذه السلبيّاتُ عن القَبَليّة أثمرت خيرًا على المجتمع، فزادت بها وحدتُه، وقويت بها شوكتُه، وصلُحَ بها أمرُه، أمَّا السبّ والشتمُ بين القبائلِ والعائلات، والاتهامُ بالباطلِ للآخرين، والطعنُ في الأنسابِ؛ لا يأتي إلاَّ بالفتن، والضغائنِ والأحقادِ والإحن، وهي من أمر الجاهلية وآفاتُ لها آثارُها على المجتمع مدمِّرة وسيئة.
#يا أيها الطاعن في الأنساب! لا تفتخر بنسبك على غيرك، فلربما كان أحد الأجداد كافرًا! فهذا من دعوى الجاهلية التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: «… مَن دَعا دَعْوى الجاهليَّةِ فهو جُثاءُ جَهنَّمَ، قال رَجُلٌ: يا رَسولَ اللهِ، وإنْ صام وصَلَّى؟ قال: نعمْ، وإنْ صام وصَلَّى، ولكنْ تَسمُّوا بِاسمِ اللهِ الذي سَمَّاكُم؛ عِبادَ اللهِ المُسلِمينَ المُؤمنينَ.». سنن الترمذي.
وأخيرا :::
أُذكر بقول رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَاهُنَا»، وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ» (رواه مسلم)
اللهمَّ ألِّف على الخيرِ قلوبَنا ..وأصلح ذاتَ بيننا ..واهدنا سبلَ السلام؟؟ وأخرجنا من الظلمات إلى النور يا أرحم الراحمين .